مسرح المهمشين في شوارع مصر

هدفنا أن نصل إلى المهمشين ممن يذهبون إلى المسرح لذلك نذهب نحن إليهم

0

 شيماء جبر:

 

في عدد من شوارع وميادين مصر، يقدم مجموعة من الممثلين الدارسين بمدرسة التمثيل المسرحي “ناس” التابعة لإحدى المنظمات الأهلية المستقلة، عروضا مسرحية بهدف إتاحة الفن المسرحي لعامة الناس والمهمشين.

 

يختلف ما يقدمونه شكلا ومضمونا، فهم يأتون للكادحين بالمسرح إلى حيث يقطنون، ويتحدثون بلغتهم ويناقشون همومهم وقضاياهم.

 

يتجمهر المارة حول العرض الذي يكسر حاجز الزمان والمكان، ويبدأ من تلقاء نفسه، تحيطه نظرات دهشة يليها اقتراب ثم إعجاب وتفاعل، هو ما ترويه عادة وجوه المتفرجين من كادحي الطبقة الفقيرة والمتوسطة.

 

عروض تناقش مشكلات اجتماعية كالاختلاف وتقبل الآخر، والهجرة، هي ما يقدمه للناس، طلاب المدرسة التي تحمل الاسم ذاته “ناس”.

 

يؤكد مدربو المدرسة أنهم يتعمدون استخدام رمزية مبسطة بما يتناسب مع الشارع المصري، فلا يملي العرض على الناس حلولا، بل يترك لهم المجال للتفكير والنقد.

 

المسرح للجميع:

“هدفنا من المدرسة أن نصل إلى المهمشين في مصر، ممن لا يعرفون الكثير عن المسرح ولا يذهبون إليه، لذلك نذهب نحن إليهم في الشوارع والمقاهي، والمناطق الشعبية، بمختلف محافظات مصر”.

 

بهذه الكلمات، يبدأ مصطفى وافي مدير مدرسة “ناس” للمسرح والمدرب بها حديثه للأناضول، وهو فنان مصري يعمل في مجال مسرح الشارع منذ 1996، وأحد مؤسسي المدرسة في 2013.

 

تاريخيا، اقتصر فن المسرح بشكل كبير في بداياته ومنذ أن عرفته مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على قصور الحكام، والطبقة الأرستقراطية والمثقفين من أجل الترفيه عن الأغنياء وتسليتهم، وفق ما ذكرته الهيئة العامة للاستعلامات (حكومية).

 

على خلاف ذلك نشأت مدرسة “ناس” للمسرح، بهدف رئيسي يؤكده وافي، وهو “خلق تيار مسرحي يتفاعل مع القضايا المصرية الاجتماعية المختلفة”.

 

وتحاول المدرسة تجاوز المسافة بين المسرح والمجتمع، من خلال تدريب العارضين والعارضات على مختلف فنون الأداء.

 

المدرسة الواقعة في قلب العاصمة المصرية، هي جزء من عدة مدارس فنية ترعاها جمعية النهضة العلمية والثقافية جزويت (أهلية مستقلة)، التي أسستها مجموعة من المفكرين في 1998، بهدف تنمية العقل الناقد والواعي في المجتمع المصري من خلال الفنون، وفق ريهام رمزي منسقته التنفيذية.

 

التنوع إثراء للفن:

مجموعة من مدربي الفن المسرحي المحترفين، مصريين وأجانب، هم ما تعتمد عليهم المدرسة، لتعليم طلابها فنون الأداء المسرحي، وتدريبهم على كيفية صنع عروض فنية تناسب الشارع المصري.

 

تفتح المدرسة أبوابها لطلاب مصريين وعرب في دراسة شبه مجانية، تمتد على مدار نحو 17 شهرا مقسمة إلى 6 فصول دراسية للتدريب على فنون الأداء التمثيلي، تتبعها ثلاثة أشهر مخصصة لمشروع التخرج.

 

ويرى وافي أن الاستعانة بمدربين أجانب، ووجود تنوع في جنسيات الطلاب، كما هو الحال بالدفعة الحالية التي تضم طلابا من اليمن وجنوب السودان، من شأنه إثراء المدرسة بثقافات مختلفة.

 

ويضيف “عادة ما يكون عدد المقبولين نحو 30 طالبا، ويتحمل الطلاب مصروفات رمزية ألفين جنيه مصري (نحو مائة دولار)، فيما تتحمل جمعية النهضة تكاليف الدراسة بالكامل وأجور المدربين”.

 

قدرات ومواهب:

داخل أسوار المدرسة خلية نحل، تدريبات شاقة وورش عمل تهدف إلى تطوير مهارات المتدربين الجسدية والتقنية في الممارسات المسرحية المختلفة، وتنتهي كل ورشة بعرض تطبيقي في المجتمعات المحلية، يؤكد وافي.

 

وبحسب مدير المدرسة، فإن القدرة على العمل الجماعي والتفاعل، هي أبرز ما تختبره “ناس” في الملتحقين بها، فالموهبة دون القدرة على العمل في مجموعات مختلفة والتفاعل مع الآخرين، لاتكفي لقبول الطلاب.

 

وحتى الآن، تخرجت في المدرسة دفعتان، ولا تزال الدفعة الثالثة قيد الدراسة، وتتناول الدفعة الواحدة موضوعا واحدا تقوم عليه كل العروض المختلفة على مدار دراستهم.

 

وفي ديسمبر / كانون الأول الماضي، عرضت الدفعة الحالية عرضا في حي “الزبالين” الشعبي (جامعي القمامة) وسط القاهرة، تناول قضية الهجرة ومشكلات المهاجرين، واجهه سكان المنطقة بدهشة تلتها ألفة واستحسان، وفق المدربين.

 

ونظمت “ناس” عروضا سابقة متنوعة في عدد من المناطق المهمشة والفقيرة بالقاهرة ومحافظات أخرى كالمنيا (وسط)، وأسوان (جنوب).

 

مهارات جذب:

يقول عادل البهدلي، مدرب “الأكروبات” (فن الحركة والإيحاء) بالمدرسة، إن “هناك العديد من التقنيات والمناهج يتم تدريسها للطلاب لمحاولة كسر الحدود بينهم وبين التمثيل في الشارع، لأن إسعاد الناس مهمتهم الأولى، والعرض الجيد هو وسيلة للتغيير في المجتمع”.

 

ويضيف “نعلم طلابنا كيفية التقرب للغة الشارع، والتواضع والاندماج مع المجتمع، ونختار موضوعات مناسبة لثقافة الجمهور، نعتمد فيها على تعلم حصيلة ثقافية تناسب الجمهور حتى لا يشعر باغتراب”.

 

“نسعى لتعليم الطلاب وإكسابهم خبرة لفت أنظار الناس في الشارع عن طريق مهارات جذب مختلفة، منها الحركة والإيقاع والرقص”، يوضح البهدلي.

 

ويتابع ملقيا بالضوء على بعض ما يتم تعليمه للممثلين من مهارات “نعمل على تنمية المهارات الحركية للعارض، والمرونة، والعلاقة مع الجمهور، بالإضافة إلى مهارات السيرك، التي عادة ما تجذب المتفرجين”.

 

فن آخر يتزود به ممثلو “ناس” هو الإيقاع، وفي هذا الصدد يقول مدربه إيهاب عبد الحميد للأناضول، إنه “تدريب على الإيقاع الصوتي للتعبير عن المشاعر المتباينة، والتمارين على الآلات الإيقاعية التي تكون أحيانا من إمكانيات محدودة، كاستخدام الجسم لإخراج صوت، أو دلو بلاستيكي، هي إيقاعات تساعد على الارتجال”.

 

يقول رأفت بيومي مسلطا الضوء على تدريبات الحركة والرقص المعاصر التي يقدمها لطلاب المدرسة “هذه التدريبات تساعد الفرد على معرفة جسمه لاستخدام التعبير بالجسم، والرقص قد يمكّن عارضا من القيام بعرض مسرحي كامل ومفهوم في مجتمع ربما لا يتحدث نفس اللغة، فقط عن طريق التعبير بالجسم”.

 

المهمة الأصعب:

بجانب ذلك، يدرس طلاب “ناس” قوالب مسرحية مختلفة، لإعدادهم لأن يكونوا ممثلي شارع من الطراز الأول، وهو ما يعتبره المدربون المهمة الأصعب.

 

مسرح المهرج أحد تلك القوالب، ويتعلم فيه الطلاب كسر القوالب والقواعد الاجتماعية، والعمل على أكثر القضايا تعقيدا بشكل هزلي، كما يتعلم الطلاب مهارات الحكي المسرحي والحكي الجسدي.

 

أما مسرح المقهورين فهو قالب مسرحي آخر، يحاول فهم القضايا الاجتماعية من أجل إيجاد حلول بديلة، ويحاول هذا القالب تحويل المتفرجين من عنصر متلقٍ إلى جزء من العرض المسرحي.

..

نقلًا عن الأناضول